الشيخ محمد علي التسخيري
179
محاضرات في علوم القرآن
الأهداف التي كان يتوخّاها من وراء هذه الطريقة التدريجية جاء في بعض الأحيان مبيّنا لما قد أجمله سابقا أو مقيّدا أو مخصّصا لما كان مطلقا أو عاما ، أو ناسخا لحكم كان ثابتا في وقت سابق . وهذه الطريقة من القرآن الكريم تسمح لنا أن نستفيد من بعض الآيات القرآنية لنفهم بها بعض الآيات الأخرى . وقد سلك المفسّرون هذا المنهج في طريقهم للتعرّف على المعاني القرآنية واكتشاف أسرارها . ويمكن أن نعتبر الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله - بما لدينا من شواهد - الرائد الأوّل لهذه الطريقة التي سار عليها بعض الصحابة من بعده واتّخذها بعض المفسّرين منهجا عامّا لتفسير القرآن . « 1 » فقد روي عن عبد اللّه بن مسعود أنّه لما نزل قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ « 2 » شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقالوا : أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال : إنّه ليس بذاك . إنّما هو الشرك . ألم تسمعوا قول لقمان إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 3 » كما أنّ التاريخ يحدّثنا أيضا أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام اتخذ مثل هذه الطريقة للتعرف على بعض المعاني القرآنية . فقد أخرج الحافظان ابن أبي حاتم ، والبيهقي عن الدئلي ، عن عمر بن الخطّاب : رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها فبلغ ذلك عليا فقال : ليس عليها رجم . فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله . فقال : قال تعالى وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ « 4 » وقال تعالى
--> ( 1 ) يراجع الاتقان ، ج 1 ، ص 115 - 142 ، ففي هذه الصفحات نجد أن جميع ما يروى عن ابن عباس أو غيره يعيش هذه المشكلة . ( 2 ) الانعام : 82 . ( 3 ) لقمان : 13 ؛ رواه البخاري بصورة مختلفة راجع فتح الباري ، ج 1 ، ص 95 وج 10 ، ص 131 . ( 4 ) البقرة : 233 .